تقرير مشترك: منظمة بيلنغكات وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة

مقدمة: بتاريخ 4 شباط/فبراير 2018، تعرّضت مدينة سراقب[1] في ريف إدلب الجنوبي، إلى هجوم بغازات سامة[2]، وبحسب العديد من الشهادات التي حصلت عليها سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فقد قام طيران مروحي تابع للقوات النظامية السورية بإلقاء برميلين محملين بمواد كيمائية يُعتقد أنها غاز الكلور، على الحي الشرقي من المدينة والذي يعدّ واحداً من المناطق المأهولة بالسكان، وهو ماتسبّب في إصابة (12) مدنياً بحالات اختناق، بينهم طفل وثلاثة متطوعين في فرق الدفاع المدني.

وبحسب مراسل سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فإنّ مكان سقوط البرميلين اللذين كانا محملين بغازات سامة، كان يضم بعض الأعشاب التي تغير لونها من اللون الأخضر إلى اللون الأصفر عقب وقوع هذا الهجوم، كما أشار بدوره إلى أنّ الهجوم الأخير كان قد تسبّب بموجة نزوح كبيرة من قبل الأهالي الذي يقطنون الحي الشرقي من المدينة باتجاه مدن وبلدات مجاورة أكثر أماناً.


تفاصيل الحادثة:

منهل حاج حسين وهو أحد الأهالي الذين تعرضوا لاستنشاق الغازات السامة الناتجة عن الهجوم الأخير، تحدث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة قائلاً:

"في حوالي الساعة (9) مساءً وبينما كنت جالساً وعائلتي في المنزل، تناهى إلى مسامعنا صوت طائرة مروحية تقترب من المكان، وماهي إلا دقائق حتى بدأنا باشتمام رائحة غريبة داخل المنزل، فبدأت أشعر بضيق في التنفس وبألم شديد في الحنجرة، وحرقة كبيرة في عينيّ، ومن ثمّ أغمي علي، وبعدها وصلت فرق الدفاع المدني وقاموا بنقلي إلى المشفى، حيث تمّ تقديم الرعاية الصحية لي في إحدى النقاط الطبية المجاورة للمدينة."

محمد حج قاسم وهو أحد عناصر الدفاع المدني الذي سارعوا للتوجه إلى مكان الهجوم لحظة وقوعه، ومن ثم تعرضوا للإصابة نتيجة استنشاقهم غازات سامة، حيث قال:

"كنا قد تلقينا نداءّ عبر المراصد التي تعمل على رصد حركة الطيران الحربي في سماء المدينة، بأنّ طيراناً مروحياً كان قد ألقى براميل متفجرة لم تنفجر على الحي الشرقي من مدينة سراقب، وعلى الفور سارعنا بالتوجه إلى مكان الهجوم، وكان هنالك عدة إصابات في الحي، فعملنا على إخلاء المصابين إلى النقاط الطبية المجاورة لمدينة سراقب بما أنّ العديد من مشافي المدينة كانت قد خرجت عن الخدمة مؤخراً بسبب استهدافها من قبل النظام وحلفائه، ولمّا وصلت إلى إحدى هذه النقاط الطبية بدأت أشعر بدورا وحكة واحمرار في العينين، وعلى الفور تمّ تقديم العلاج اللازم لي، وتمّ نزع ملابسي وغسل جسمي بالماء والصابون، كما تمّ إعطاؤنا الأدوية المضادة وإخضاعنا لجلسات الإرذاذ بالأوكسجين، ومن ثم تمّ تخريجي من المشفى."

وفي شهادة أخرى أدلى بها حسن قدور وهو أحد العاملين في المكتب الطبي لمدينة سراقب، إذ قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنّ النقاط الطبية كانت قد استقبلت عدة مصابين بحالات اختناق جراء استنشاقهم غازات سامة يعتقد أنها غاز الكلور في مساء يوم 4 شباط/فبراير 2018، وفي هذا الخصوص تابع قائلاً:

"ظهرت على المصابين أعراض كالغثيان واحمرار العينين وضيق في التنفس وحرقة في الحنجرة، وجميع هذه الأعراض تدل على أنّ هؤلاء استنشقوا غازات سامة يمكن ان تودي بحياتهم إذا لم يتم تقديم العناية لهم بشكل سريع، وعمل الكادر الطبي في النقاط الطبية على تقديم الرعاية الصحية للمرضى بشكل مباشر، وقمنا بتوثيق إصابة (12) مدنياً بحالات اختناق بينهم طفل وثلاثة متطوعين في الدفاع المدني، وقد تراوحت الإصابات جميعها مابين الخفيفة والمتوسطة."

صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر أحد المدنيين الذي تعرضوا لاستنشاق غازات سامة في مدينة سراقب بتاريخ 4 شباط/فبراير 2018.

صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة تظهر أحد المصابين الذين تعرضوا لاستنشاق الغازات السامة في مدينة سراقب بتاريخ 4 شباط/فبراير 2018.

مكان انطلاق الطائرة:

أحد المشرفين على مرصد الطيران الذي يقوم برصد حركة الطيران الحربي في سماء مدينة سراقب، قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنّ طائرة مروحية تحمل رمز (ألفا 253) كانت قد أقلعت من مدرسة المجنزرات في ريف حماة باتجاه الشمال السوري، وذلك في تمام الساعة (9:00) من مساء يوم 4 شباط/فبراير 2018، وتابع قائلاً:

"دخلت الطائرة المروحية أجواء مدينة سراقب من جهة الجنوب إلى الشمال وعندما وصلت المدينة من جهة الشرق، قامت بإلقاء برميلين تبين لنا لاحقاً أنهما لم ينفجرا وبأنهما كانا محملان بغازات سامة، وعلى الفور قمنا بتوجيه نداءات للأهالي المتواجدين في الحي الشرقي من المدينة لإخلاء المكان، وذلك بعدما سمعنا عبر القبضات اللاسلكية بأنّ طاقم المروحية أتمّ المهمة بنجاح وهو في طريقه إلى العودة."


مكان الاستهداف ونوع السلاح المستخدم:

بحسب بيلنغكات، فإنّ مكان الاستهداف وسقوط القذيفة الذي صُوّر من قبل شبكة أنباء "سمارت"، وتمّ  التقاط صوره من قبل "مركز إدلب الإعلامي"،و أخبار "نبأ". باستخدام هذه الصور يصبح بالإمكان تحديد موقع الاستهداف وربطه مع خرائط الأقمار الصناعيّة إلى الإحداثيّات التالية: 35.863044, 36.820206، شرقيّ مدينة سراقب، في بقعة عشبيّة كبيرة محاطة بأبنيّة سكنيّة.

الحفرة التي نجمت عن هجوم الرابع من شهر شباط/فبراير 2018 في سراقب، سوريا
المصدر: مركز إدلب الإعلامي

في هذه الصور يمكننا ملاحظة مساحة كبيرة من العشب المصفر المحيط بحفرة الهجوم، هذا الاصفرار في غالب الأمر هو بسبب إطلاق غاز الكلور الضار بالنباتات، وهي ظاهرة معروفة مرافقة لاستخدام غاز الكلور الكيماوي، وكما لوحظت هذه الظاهرة في هجمات سابقة تمّ استخدام غاز الكلور بها.

اصفرار النباتات في موقع هجوم الكلور في الأوّل من شباط/فبراير في دوما – دمشق
مصدر الصورة: وكالة مشهد السوريّة

نشر الدفاع المدني في إدلب فيديو وصورة نشرتها الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان توضّح أسطوانة غاز صفراء متضرّرة بشدّة تمّ نقلها من مكان الضربة:

إسطوانة الغاز الصفراء التي تمّ نقلها من مكان الضربة
مصدر الصورة: الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان

إسطوانتي الغاز المستخدمتان في الهجوم
مصدر الصورة: الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان

وقد قامت سوريّون من أجل الحقيقة والعدالة بتصوير أسطوانة الغاز أيضاً:

ثلاثة صور توضّح أسطوانة الغاز المستخدمة
الصور خاصّة بسوريّون من أجل الحقيقة والعدالة

هذا النوع من أسطوانات الغاز الصفراء كان قد تمّ توثيقه عدّة مرّات مسبقاً في هجمات غاز الكلور السابقة على مدى الأربع سنين الماضية، مثل التي وثّقتها اليومن رايتس ووتش في صورتها التي تتكلّم فيها عن أمثلة من أسطوانات الغاز المستخدمة في هجمات الكلور في حلب في أواخر عام 2016.

أمثلة من أسطوانات الغاز المستخدمة في الهجمات الكيماوية في سوريا
المصدر: هيومن رايتس ووتش

تمّ توثيق أكثر من قطعة من شظايا السلاح في موقع الاستهداف في سراقب. منها بعض الشرائط المعدنيّة، وصفائح معدنيّة أعرض منها، بعضها مرتبطة ببعضها الآخر:

صورة من موقع الهجوم في سراقب توضّح شريط معدني وصفيحة معدنيّة مرتبطان ببعضهما
المصدر: مركز إدلب الإعلامي

يظهر أنّ هذه القطع المعدنيّة هي بقايا هيكل خارجي تمّت إضافته إلى إسطوانة الغاز لإضافة زعنفة عند الذيل وفتيل الاصطدام، ونستطيع رؤية هذه الإضافات بشكل أوضح في الصورة التي نشرتها الهيومن رايتس ووتش. واحدة من أوضح هذه الأمثلة تعود إلى هجوم الكلور في آب/أغسطس 2017 في خان العسل – حلب، حيث تمّ استرجاع أسطوانة غاز معدّلة بكلّ الإضافات سليمة "تقريباً":

أسطوانة الغاز المعدّلة التي تمّ استرجاعها من موقع هجمات الكلور في خان العسل في آب/أغسطس 2017
المصدر: الدفاع المدني السوري في محافظة إدلب

وقد أظهر مقطع فيديو نشره الدفاع المدني في محافظة إدلب بتاريخ 5 شباط/فبراير 2018، إصابة (12) مدنياً بينهم ثلاثة عناصر من الدفاع المدني، بحالات اختناق جراء استنشاقهم غاز سام تمّ استخدامه على مدينة سراقب بتاريخ 4 شباط/فبراير 2018.

وكانت الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) قد وثقت استقبال (11) مصابين بحالات اختناق في مساء يوم 4 شباط/فبراير 2018 في مدينة سراقب، وكانت الأعراض البادية عليهم تشير إلى استنشاقهم غاز سام يُعتقد أنه غاز الكلور، مشيرة إلى أنّ ذاك الهجوم هو الأول من نوعه مع بداية العام 2018.

كما أكدّ المجلس المحلي لمدينة سراقب عبر بيان أصدره بتاريخ 5 شباط/فبراير 2018، تعرض مدينة سراقب لهجوم محمل بغازات سامة من قبل طيرن مروحي تابع للقوات النظامية السورية كان قد أقلع من مدرسة المجنزرات في ريف حماة وتحديدا في تمام الساعة (9:30) من مساء يوم 4 شباط/فبراير 2018، وهو ماتسبّب في إصابة العديد من المدنيين.

 

صورة تظهر البيان الصادر عن المجلس المحلي لمدينة سراقب بتاريخ 5 شباط/فبراير 2018، مصدر الصورة: المجلس المحلي لمدينة سراقب.

 


[1] يسيطر لواء ثوار جبهة سراقب على مدينة سراقب. وتمتاز المدينة بموقع استراتيجي كونها بمثابة صلة الوصل مابين ريف إدلب الشرقي والغربي والشمالي والجنوبي، وهذا مايفسر رغبه القوات النظامية السورية في السيطرة عليها، وذلك من أجل تقطيع أوصال محافظة إدلب بشكل كامل.

[2] ويأتي هذا التصعيد من حانب القوات النظامية السورية، عقب تمكن هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة من السيطرة على قرية أبو دالي في الريف الشمالي الشرقي لمحافظة حماة وذلك بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2017، إلا أنّ القوات النظامية السورية استطاعت مدعومة بالطيران الحربي التابع لسلاح الجو الروسي، استعادة هذه القرية إضافة إلى عدة قرى في ريف حماة الشمالي، وذلك بتاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر 2017، كما تمكنت القوات النظامية السورية وحلفاؤها من التقدم بإتجاه ريف ادلب الجنوبي الشرقي، حيث سيطرت على عدة قرى مثل (عطشان و الخوين و سنجار) بتاريخ 7 كانون الثاني/يناير 2018، وذلك بهدف الوصول الى مطار "أبو الضهور" العسكري في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، ووفقاً لباحثي سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فإنّ العمليات العسكرية أسفرت عن السيطرة على المطار من قبل القوات الحكومية السورية والميليشيات المتحالفة معها بتايخ 27 كانون الثاني/يناير 2018.

وسوم
جرائم الحرب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مواد سامة غاز الكلور إدلب

موضوعات ذات صلة

التعليقات

    لا يوجد تعليقات كن أول المعلقين

اترك تعليقك